الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
85
تفسير روح البيان
فقالت يا شيخ أما علمت أن رفقى بنفسي غيبنى عن باب المولى ومن غاب عنه مشتغلا بالدنيا عرض نفسه للمحن والبلوى وما قدر عملي إذا اجتهدت فكيف إذا قصرت ثم قالت وا سوأتاه من حسرة السباق وفجعة الفراق . فاما حسرة السباق فإذا قام القائمون من قبورهم وركب الأبرار نجائب الأنوار وساروا إلى قصر من العز والجلال ورفعت لهم منازل المحبين وقدمت بين أيديهم نجائب المقربين وبقي المسبوق في جملة المحزونين فعند ذلك ينقطع فؤاده حسرة وتأسفا ويذوب ندامة وتلهفا . واما فجعة الفراق فعند تمييز الناس والافتراق وذلك ان اللّه سبحانه إذا جمع الخلق في صعيد واحد امر ملكا فنادى أيها المجرمون امتازوا ان المتقين قد فازوا وهو قوله تعالى وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فيتميز الرجل من زوجته والولد من والدته والحبيب من حبيبه هذا يحمل مبجلا إلى رياض النعيم وهذا يساق مسلسلا مغلغلا إلى عذاب الجحيم وقد طال منهم التلفت والوداع ودموعهم تجرى كالأنهار بفجعة الفراق وانشدوا بالبين والفراق لو كنت ساعة بيننا ما بيننا * ورأيت كيف نكرر التوديعا لعلمت ان من الدموع لأبحرا * تجرى وعاينت الدماء دموعا وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ - روى - ان قريشا قالوا يا محمد انك تخبرنا ان موسى عليه السلام كانت معه عصا فيضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا وتخبرنا ان عيسى عليه السلام كان يحيى الموتى وان صالحا عليه السلام اخرج الناقة من الجبل فائتنا أنت أيضا بآية بينة فان فعلت ذلك لنصدقنك ونؤمنن لك وحلفوا على ذلك وبالغوا في تأكيد الحلف فقال عليه السلام ( أي شئ تحبون ) قالوا تجعل لنا الصفا ذهبا أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل أو أرنا الملائكة يشهدون لك فقال عليه السلام ( فان فعلت بعض ما تقولون تصدقوننى ) قالوا نعم واللّه لئن فعلت لنتبعنك أجمعين وسأل المسلمون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ان ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فهم عليه السلام بالدعاء فجاء جبريل عليه السلام فقال ان شئت كان ذلك ولئن كان فلم يصدقوا عنده ليعذبنهم بعذاب الاستئصال ولئن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم فانزل اللّه تعالى هذه الآية اى حلف كفار قريش باللّه تعالى جَهْدَ أَيْمانِهِمْ مصدر في موقع الحال اى جاهدين في ايمانهم وجهد الايمان أغلظها وأشدها لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ من مقترحاتهم لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ لهم إِنَّمَا الْآياتُ كلها عِنْدَ اللَّهِ اى هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء وليس شئ منها بقدرتي وإرادتي وانما انا نذير ثم بين تعالى الحكمة في عدم مجىء الآيات فقال مخاطبا للمسلمين وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ اى أي شئ يعلمكم ان الآية التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بل يبقون على ما كانوا عليه من الكفر والعناد اى لا تعلمون ذلك فتتمنون مجيئها طمعا في ايمانهم فأنكر السبب اى الاشعار مبالغة في نفى المسبب اى الشعور وفيه بيان ان ايمانهم فاجرة وانه لا يغنى وضوح الأدلة لمن لم يساعده سوابق الرحمة وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ عطف على لا يؤمنون اى وما يشعركم انا حينئذ نحول قلوبهم عن الحق فلا يفهمون وَأَبْصارَهُمْ عن اجتلائه فلا يبصرونه